إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي
730
الغارات
التوحيد بمثل ما أتى به بأبي وأمي عليه السلام ما قدروا عليه ، ولولا إبانته عليه السلام ما علم الناس كيف يسلكون سبيل التوحيد ، ألا ترون إلى قوله : ( لا من شئ كان ، ولا من شئ خلق ما كان ) فنفى بقوله عليه السلام : ( لا من شئ كان ) معنى الحدوث ، وكيف أوقع على ما أحدثه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال ، نفيا لقول من قال : ( إن الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض ) وإبطالا لقول الثنوية الذين زعموا ( أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل ولا يدبر إلا باحتذاء مثال ) فدفع عليه السلام بقوله : ( لا من شئ خلق ما كان ) ، جميع حجج الثنوية وشبههم لأن أكثر ما يعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا : لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شئ أو لا من شئ ، فقولهم : من شئ ، خطأ ، وقولهم : من لا شئ ، مناقضة وإحالة ، لأن من يوجب شيئا ولا شئ ينفيه فأخرج أمير المؤمنين عليه السلام هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ وأصحها فقال عليه السلام : لا من شئ خلق ما كان ، فنفى ( من ) إذ كانت توجب شيئا ، ونفى ( الشئ ) إذ كان كل شئ مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية : إنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثال . ثم قوله عليه السلام : ( ليست له صفة تنال ولا حد تضرب له فيه الأمثال ، كل دون صفاته تحبير اللغات ) فنفي عليه السلام أقاويل المشبهة حين شبهوه بالسبيكة والبلورة وغير - ذلك من أقاويلهم من الطول والاستواء ، وقولهم : متى لم تعقد القلوب منه على كيفية ولم ترجع إلى إثبات هيئة لم تعقل شيئا فلم تثبت صانعا ، ففسر أمير المؤمنين عليه السلام أنه واحد بلا كيفية ، وأن القلوب تعرفه بلا تصوير ولا إحاطة . ثم قوله عليه السلام : ( لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن فتعالى الذي ليس له وقت معدود ولا أجل ممدود ولا نعت محدود ) . ثم قوله عليه السلام ( لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ولم ينأ عنها ، فيقال : هو منها بائن ) فنفى عليه السلام بهاتين الكلمتين صفة الأعراض والأجسام لأن من صفة الأجسام التباعد والمباينة ، ومن صفة الأعراض الكون في الأجسام بالحلول على غير مماسة ، ومباينة الأجسام على تراخي المسافة .